الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
51
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
150 ] وما اتصل به من تعليله بقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [ البقرة : 150 ] وما عطف عليه من قوله : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [ البقرة : 150 ] إلى قوله : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة : 152 ] وبين قوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [ البقرة : 177 ] لأن ذلك وقع تكملة لدفع المطاعن في شأن تحويل القبلة فله أشد اتصال بقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ المتصل بقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 150 ] . وهو اعتراض مطنب ابتدئ به إعداد المسلمين لما هم أهله من نصر دين اللّه شكرا له على خولهم من النعم المعدودة في الآيات السالفة من جعلهم أمة وسطا وشهداء على الناس ، وتفضيلهم بالتوجه إلى استقبال أفضل بقعة ، وتأييدهم بأنهم على الحق في ذلك ، وأمرهم بالاستخفاف بالظالمين وأن لا يخشوهم ، وتبشيرهم بأنه أتم نعمته عليهم وهداهم ، وامتن عليهم بأنه أرسل فيهم رسولا منهم ، وهداهم إلى الامتثال للأحكام العظيمة كالشكر والذكر ، فإن الشكر والذكر بهما تهيئة النفوس إلى عظيم الأعمال ، من أجل ذلك كله أمرهم هنا بالصبر والصلاة ، ونبههم إلى أنهما عون للنفس على عظيم الأعمال ، فناسب تعقيبها بها ، وأيضا فإن ما ذكر من قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ مشعر بأن أناسا متصدّون لشغبهم وتشكيكهم والكيد لهم ، فأمروا بالاستعانة عليهم بالصبر والصلاة . وكلها متماسكة متناسبة الانتقال عدا آية : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إلى قوله : شاكِرٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 158 ] فسيأتي تبييننا لموقعها . وافتتح الكلام بالنداء لأن فيه إشعارا بخبر مهم عظيم ، فإن شأن الأخبار العظيمة التي تهول المخاطب أن يقدّم قبلها ما يهيئ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها . وفي افتتاح هذا الخطاب بالاستعانة بالصبر إيذان بأنه سيعقب بالنّدب إلى عمل عظيم وبلوى شديدة ، وذلك تهيئة للجهاد ، ولعله إعداد لغزوة بدر الكبرى ، فإن ابتداء المغازي كان قبيل زمن تحويل القبلة إذ كان تحويل القبلة في رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة وكانت غزوة بواط والعشيرة وبدر الأولى في ربيع وجمادى من السنة الثانية ولم يكن فيهما قتال ، وكانت بدر الكبرى في رمضان من السنة الثانية فكانت بعد تحويل القبلة بنحو شهرين . وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] أن ما وقع في حديث البراء بن عازب من قول الراوي أن ناسا قتلوا قبل تحويل القبلة ، أنه توهم